الشيخ محمد هادي معرفة
175
تلخيص التمهيد
1 . دقيق تعبيره ورقيق تحبيره يمتاز القرآن على سائر الكلام بدقّته الفائقة في تعابيره ، واضعاً كلّ شيء موضعه اللائق به ، مراعياً كلّ مناسبة - لفظية كانت أم معنوية - في إناقة تامّة ، لم تفته نكتة إلّاسجّلها ، ولم تفلت منه مزيّة إلّاقيّدها ، في رصف بديع ونضد جميل ، جامعاً بين عذوبة اللفظ وفخامة المعنى ، متلائماً أجراس كلماته مع نوعية المراد ، متماسك الأجزاء ، متلاحم الأشلاء ، كأنّما أفرغت إفراغة واحدة ، وسبكت في قالب فذّ رصين . بحيث لو انتزعت لفظة من موضعها أو غيّرت إلى غير محلّها أو أبدلت بغيرها لأخلّ بمقصود الكلام واضطرب النظم واختلّ المرام . ولقد كان ذلك من أهمّ دلائل صيانته من التحريف ، فضلًا عن كونه سند الإعجاز . أضف إليه جانب « لحن الأداء » هو تناسب جرس اللفظ مع نوعية المفاد ، من وعد أو وعيد ، ترغيب أو ترهيب ، أمر أو زجر ، عظة أو حكمة ، فرض أو نفل ، مثوبة أو عقاب ، مكرمة أو عتاب . . . إلى غيرها من أنواع الكلام ، كلّ نوع يستدعي لحناً في الخطاب يخالفه نوع آخر . الأمر الذي راعته التعابير القرآنية بشكل بديع وأسلوب غريب . وكان سرّاً غامضاً من أسرار إعجازه ، ودليلًا واضحاً على كونه صنيع من لا يعزب عن علمه شيء ، وقد أحاط بكلّ شيء علماً . وهذا شيء اعترفت به جهابذة الفن ، وأذعنت له علماء البيان وامراء الكلام ، فضلًا عن شهادة أفذاذ العرب الأقحاح . فلنستمع الآن إلى كلماتهم المشرقة : قال الشيخ عبد القاهر : أعجزتهم مزايا ظهرت لهم في نظمه ، وخصائص صادفوها في